ملا محمد مهدي النراقي

149

جامع السعادات

إنه يعيبه ، ويقول فيه ما لا يجوز في الشريعة ، فيكون ظالما عليه ، فيحمل بعضا من أوزاره وعصيانه ، وتنقل صالحات أعماله إلى ديوانه ، فحسده لا يؤثر فيه إلا خيرا ونفعا ، ومع ذلك يكون في مقام التعاند والتضاد مع رب الأرباب وخالق العباد ، إذ هو الذي أفاض النعم والخيرات على البرايا كما شاء وأراد بمقتضى حكمته ومصلحته ، فحكمته الحقة الكاملة أوجبت بقاء هذه النعمة على هذا العبد ، والحاسد المسكين يريد زوالها ، وهل هو إلا سخط قضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض ، وتمنى انقطاع فيوضات الله التي صدرت عنه بحسب حكمته وإرادة خلاف ما أراد الله على مقتضى مصلحته ؟ ! بل هو يريد نقصه سبحانه ، وعدم اتصافه بصفاته الكمالية . إذ إفاضة النعم منه سبحانه في أوقاتها اللائقة على محالها المستعدة من صفاته الكمالية التي عدمها نقص عليه تعالى ، وإلا لم يصدر عنه ، وهو يريد ثبوت هذا النقص ، ثم لتمنيه زوال النعم الإلهية التي هي الوجودات ورجوع الشرور إلى الإعدام يكون طالبا للشر ومحبا له . وقد صرح الحكماء بأن من رضي بالشر ، ولو بوصوله إلى العدو ، فهو شرير . فالحسد أشد الرذائل ، والحاسد شر الناس . وأي معصية أشد من كراهة ، راحة مسلم من غير أن يكون له فيها مضرة ؟ ولذا ورد به الذم الشديد في الآيات والأخبار ، قال الله سبحانه في معرض الإنكار : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ( 1 ) . وقال : " ود كثير من أهل الكتاب أن يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم " ( 2 ) . وقال : " إن تمسكم حسنة تسؤوهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها " ( 3 ) . وقال رسول الله ( ص ) : " الحسد يأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب " . وقال ( ص ) : " قال الله عز وجل لموسى بن عمران : يا بن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ، ولا تمدن عينيك إلى ذلك ،

--> ( 1 ) النساء ، الآية : 53 . ( 2 ) البقرة ، الآية : 109 . ( 3 ) آل عمران ، الآية : 120 .